printlogo


رقم الخبر: 223634تاریخ: 1401/12/8 00:00
الشیخ جعفر کاشف الغطاء... واجه الغزو الوهابی فکریاً وعسکریاً

على مدى الفترة الزمنیة الشاسعة الممتدة بین بدایة عصر الغیبة الکبرى، وحتى یومنا هذا، ظلت المرجعیة الدینیة حصناً منیعاً یلتجأ إلیه الناس خصوصاً عند اشتداد الأزمات حیث تظهر الحاجة الفعلیة لصوت العقل الراجح والکلمة الراشدة التی تنعکس على الدور الحقیقی للمرجعیة، الذی لا یقوم به سواها من حیث الإرشاد والإعداد الفکری والتعبئة الشاملة والدعم المادی والمعنوی حسب متطلبات المرحلة الآنیة باختلاف الظروف السیاسیة والاجتماعیة والاقتصادیة.
وبناءً على ذلک فقد ظهر على امتداد هذه الفترة قادة من الطراز الأول، استوعبت حیاتهم جمیع آمال الأمة وآلامها فکانت دراسة سیرتهم الطاهرة تعنی دراسة لواقع الأمة المتزامن مع تواجدهم.
ومن بینهم ظهر الشیخ جعفر کاشف الغطاء، الذی تصادف ذکرى وفاته فی هذه الأیام وبالتحدید فی 22 من شهر رجب لسنة 1277 للهجرة، هو جعفر بن خضر بن یحیى الجناجیّ الحلّیّ النجفیّ کاشف الغطاء، مؤسّس أسرة "آل کاشف الغطاء" والمعروف بجعفر الکبیر وشیخ المشایخ. والتی تنسب إلى قبیلة بنی مالک، ویقال إلى مالک الأشتر أحد خواص أمیر المؤمنین علی (ع)، وقائد جیشه.  لُقِّب بـــ"کاشف الغطاء" بعد تألیف کتابه الفقهیّ المشهور "کشف الغطاء".وبها لقبت ذریته من بعده فأصبحوا یعرفون ب (آل کاشف الغطاء). وقد صارت إلیه القیادة الدینیّة لشیعة العراق وإیران وغیرهما من البلدان بعد وفاة السّیّد مهدی بحر العلوم، فزادت شهرته ونفوذه الاجتماعیّ والسّیاسیّ حتّى غدا مرجعاً للشّیعة فی العالم.
مواجهة الشیخ کاشف الغطاء للغزو الوهابی 
الشیخ جعفر کان فقیهاً متضلعاً ومتکلماً بارعاً وأدیباً واعیاً وقیادیاً محنکاً، کل هذه المواهب التی امتلکها أهلته کی یمارس دوره القیادی لیس على مستوى إدارة العملیة التدریسیة فی حوزة النجف العلمیة بل راح یمارس الدور نفسه على مستویات الانتصار للإسلام من المشککین، والمناظرة مع النواصب والمبغضین إضافةً للدفاع عن مدینة النجف الأشرف ضد الوهابیین علمیاً وعملیاً. ویُعتبر الشیخ جعفر أول عالم دین شیعی ألّف کتاباً للرد على الوهابیة إسمه "منهج الرشاد لمن أراد السداد". فی الکتاب ردّ على الشبهات التی طرحها الوهابیون ضد الشیعة والمعتقدات الإسلامیة مثل مفاهیم الشفاعة والتوسل وزیارة الأئمة(ع). 
أمّا عملیاً عندما اندلعت الهجمة الوهابیة فی العراق وغزت مدینتی کربلاء والنجف الأشرف نهض الشیخ جعفر کاشف الغطاء مدافعاً عن المدینة ومقدساتها وشعبها وأفتى بوجوب التصدی لهم بل وحمل السلاح بنفسه وقام بتسلیح العلماء والطلاب وبقیة أهالی المدینة. وهو یعتبر بذلک أول مجتهد قاد بنفسه جهاداً دفاعیاً وقام بدور القائد المجاهد ضد الوهابیین الذین حاصروا النجف واتبع قراره الشرعی بنفسه بإذن المجتهد بوصفه ممثل الإمام الغائب(عج)، الذی یستطیع أن یقود الجهاد ضد أعداء الإسلام.
التصدی لأفکار الإخباریین
عاش الشیخ کاشف الغطاء فی زمن ذاع فیه صیت وأفکار الإخباریین فی الحوزات العلمیة وکانوا یتنافسون مع العلماء الأصولیین. فی ذلک الزمن، لعب الشیخ جعفر کاشف الغطاء والذی کان یُعتبر من أفضل تلامذة العلامة وحید بهبهانی (المجدّد الأصولی)، دوراً أساسیاً فی التصدی لأفکار هذه الفئة، فواجههم عبر دفاعه عن المنهج العقلانی فی إستنباط الأحکام الشرعیة فی محاضراته ومؤلفاته المختلفة. 
ولعّل أبرز هذه المواجهات الفکریة، کانت مناظرته العلمیة مع الشیخ محمد بن عبدالنبی النیسابوری أحد أبرز علماء الإخبارییین فی ذلک الزمن.
بعد إجراء المناظرة، شعر الشیخ الإخباری بخطر بعد خسارته مکانته العلمیة فی الحوزة النجفیة الأمر الذی دفعه لمغادرة مدینة النجف الأشرف، متوجهاً  إلى إیران لاجئاً عند سلطانها. فی هذه الفترة، ألف الشیخ للرد على أفکارهم کتابه المشهور "کشف الغطاء عن مبهمات الشریعة الغراء"، وأهداه لسلطان إیران وأذن له فیه بما نص علیه فی کتاب الجهاد 
منه.
محاربة الشیخ کاشف الغطاء للیهود
إنّ لأسرة آل کاشف الغطاء الید الطولى فی محاربة الیهود، فقد حاربهم فی العراق الشیخ جعفر صاحب یوم احتلوا أراضی الحلة الفیحاء قرب مرقد ذی الکفل _ وحاولوا تهوید أهالیها وقاربوا ذلک لولا أن ینبری الشیخ للسفر لأهلها مع جملة صالحة من تلامیذه، وما انفک یحارب الیهودیة بیده ولسانه وقلمه کما جاء فی کتابه کشف الغطاء فی الرد على الیهودیة بعدما أتقن اللغة العبریة ودرس التوراة حرفاً حرفاً لملاحقة الیهودیة، وقد أسلم على یده رهطٌ کثیر منهم.
ثم قامت أسرة آل کاشف الغطاء جیلاً بعد جیل بالمحاربة لهذه الفئة بأقلامهم وألسنتهم ونفوسهم. فقد استنهض الشیخ هادی کاشف الغطاء المسلمین واستنفرهم فی دفع الیهود عن فلسطین فی فتوى نقتبس منها: "أما بعد فقد بلغکم وملأ أسماعکم ما أفتى به علماؤکم الروحانییون زعماء الدین وأئمة المسلمین وحجج الله على العاملین من وجوب الجهاد على کل مسلم فی شرق الأرض وغربها".
کاشف الغطاء وولایة الفقیه
اختلفت الأراء حول مفهوم ولایة الفقیه عند الشیخ، فقد اعتقد بعض العلماء بإیمانه بنظریة ولایة الفقیه فی بعض المفاهیم مثل الجهاد والقضاء وتنفیذ الحدود والأمور الحسبیة والشؤون المالیة، وعلى أنه لم یتحدّث بصراحة عن موقعیة ولایة الفقهاء فی الشؤون السیاسیة.
بینما اعتقد البعض الأخر عبر ملاحظة کلمات الشیخ وطریقة تعامله مع الحاکمین على أنها شواهد على مقبولیة نظریة ولایة الفقیه عنده، إذ کان یقول:" لو إجتمع فی أحد العلماء الفقه وإجادة الحکم فهو أحق للحکم على البلاد ولا حق لغیره بالنسبة إلى هذا الأمر".
الإصرار على تنفیذ الحدود الإلهیة
خدماته الإصلاحیة کثیرة وقد عُرف عنه جدیته فی مکافحة المنکر وأهل الفساد، یذکر المؤرخون عن تفشی العادات والمنکرات فی إیران وبالتحدید فی مدینة شیراز، حیث انتشرت  مصانع الخمور، فتحرک الشیخ کاشف الغطاء فی سفرة تبلغیةٍ وسافر بنفسه إلى هناک، وقد قدم له الملوک القاجاریون الخدمات والتسهیلات وسار فی کل أرجاء إیران وهو یحارب المنکرات ولا تأخذه فی الله لومة ‌لائم.
ختاماً لقد تنوعت الأدوار التی قام فیها الشیخ  کاشف الغطاء بتنوع الظروف التی مر بها العراق وهو یرزح حینئذ تحت نیر الاستعمار العثمانی الذی أوصل المجتمع إلى حالةٍ متردیة من الفقر والعوز، فکانت البلاد عرضة للهجمات ومطمع للغرباء حیث لا رادع ولا دافع، فکان الأمر یتطلب من الحوزة العلمیة المتمثلة بزعیمها الشیخ کاشف الغطاء حزماً تجاه المعتدین وتعبئة تجاه أبناء البلد والمحافظة على العقیدة الإسلامیة من الأفکار المنحرفة والتکفیریة.
 

Page Generated in 0.0167 sec